منتديات الجلفة التعليمية التثقيفية

منتدى تعليمي تثقيفي


    مقدمة في منزلة السنة منقول

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 37
    تاريخ التسجيل : 27/06/2011

    مقدمة في منزلة السنة منقول

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يوليو 12, 2011 4:07 pm

    المقدمة

    الحمد لله أنزل على نبيه الكتاب والحكمة، وأقام بهما على العباد الحجة، وضمن فيهما السداد والعصمة، فمن اتبع فقد اهتدى، ومن أعرض فقد ضلّ وغوى.

    وأصلِّي وأسلِّم وأبارك على عبد الله ورسوله الصادق الأمين، نبينا محمد المرسل رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وبعد

    فإن السنة النبوية المطهرة تمثِّل - ولا شك - إلى جانب القرآن الكريم أسس الدين الإسلامي وقاعدته الأساسية، التي لا يستقيم للدين أمر، ولا فهم، ولا فقه دونها، فبدون السنة النبوية المطهرة تضيع السيرة، وتفقد القدوة، وتنقطع الرسالة، وتبهم معاني الكتاب، ويقضى على فقه الدين.

    وإذا كان الأمر كذلك فإن البحث في السنة وحجّيّتها ومنزلتها ومكانتها يعدّ أمرًا بالغ الأهمية في بنية الفكر الإسلامي، وتكوين العقلية المميزة للأمة الإسلامية، خصوصًا إذا ما تصوّرنا حجم الهجمة الشرسة وما ينصبه أعداء الأمة في الداخل والخارج من مكائد، وما يراد للأمة من مسخ لشخصيتها، ومحاولات لا تتوقف يراد بها صرف الناس وإعراضهم عن هدي النبوة، والتخلّص من الأحكام الثابتة بها، والبعد عن أضوائها وأنوارها، مرةً بادعاء عدم حجية بعض أنواعها، ومرةً بزعم أن ما ورد فيها - غير مبين للكتاب - فإن الناس ليسوا مطالبين به، ومرةً بالطعن بِحَمَلَتِهَا الأَوَّلِين ورواتها الأقدمين، ونفي العدالة عنهم، ومرةً بادعاء أنها - أي السنة - لا تعدو أن تكون توجيهات، ونصائح، وآداباً غير ملزمة للمسلم أن يعمل بها، وله أن يتخلى عنها، مستدلين لمذاهبهم الفاسدة، وآرائهم الخبيثة الكاسدة بأوهى المقالات، وأضعف الشبهات، وأتفه الخيالات.

    وبعضهم يزعم: أن ما جاءت به السنة لا ينبغي أن يعمل به إلا بعد معرفة سائر ظروف وروده، وأسباب ظهوره، وسائر ما يمكن أن يكون له أثر في دلالته عندهم، وأن السنة إذا دلت على حكم لم يدل القرآن عليه لم يؤخذ بها، وأن الحديث يجب أن يعرض على عقولهم الجامدة، فإن تلقته تلك العقول القاصرة، والأفئدة المريضة بالقبول صحّ وعمل به، وإن أغلقت عقولهم الكليلة دونه أبوابها فليترك وليهمل.

    لقد نسي هؤلاء الحمقى - أو تناسوا - أن سنة رسول الله أصل دلّ عليه كتاب الله, وأن الأصل لا يقال له: لِمَ وكيف؟ بل يحكّمه المؤمنون ويقبلونه، ثم لا يجدون في أنفسهم حرجًا مما دل عليه، ويسلِّمون له تسليمًا تامًا، وينقادون لدلالته انقيادًا كاملاً"(1).

    إن هؤلاء بموقفهم هذا يظلمون أنفسهم، ويظلمون الناس؛ لأنهم خالفوا وشرعوا المخالفة، إذ بدل أن يكونوا محكومين جعلوا من أنفسهم حاكمين، بل ومشرعين؛ لأنهم شرعوا لأنفسهم - حين رفضوا السنة أو شككوا فيها - رفض الدين، وقبول إيحاء الشيطان الرجيم، وهذا هو الضلال المبين.

    قال تعالى: ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا)) [الأحزاب:36].

    وقال تعالى: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا))[ النساء:65].

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: (فمن رغب عن سنتي فليس مني)(2).

    وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: " أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلّتت منهم فلم يعوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا"(3).

    لقد كانت السنة مفتاحًا لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من أربعةَ عشرَ قرنًا، فلماذا لا تكون مفتاحًا لفهم انحلالنا الحاضر؟.

    إن العمل بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمل على حفظ كيان الإسلام، وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام(4).

    إذ السنـة بما تضمنته من أقوال وأفعال وتقريرات وصفـات للنبي - صلى الله عليه وسـلم - ترسـم " المنهاج التفصيلي" للحياة الإسلامية: حياة الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والجماعة المسلمة، في الدولة المسلمة.

    وإذا كان القرآن الكريم يضع القواعد العامة، والمبادئ الكلية، ويرسم الإطار العام، ويحدد بعض النماذج لأحكام جزئية لا بدّ منها، فإن السنة تفصِّل ما أجمله القرآن الكريم، وتبيِّن ما أبهمه، وتضع الصور التطبيقية لتوجيهاته.

    ومن هنا نجد في السنة تفصيلات الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

    والحياة البرزخية مما يتعرض له المكلفون بعد الموت في قبورهم من سؤال وامتحان، ونعيم أو عذاب، وأهوال البعث والنشور، والموقف في الشفاعة العظمى، والحساب الإلهي، وما يتبعه من أخذ الصحف، ونشر الدواوين، ونصب الموازين، وإقامة الصراط، وما أعد الله في الجنة لمن أطاعه مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وما أعدّ في النار لمن عصاه من ألوان العذاب الحسّي والمعنوي، كل هذا قد فصّلته السنة حتى كأنه رأي عين.

    ونجد في السنة تفصيلات العبادات الشعائرية التي تمثِّل جوهر التدين العملي كالعبادات الأربع: الصلاة والزكاة والصيام والحج، سواء ما كان منها فرضًا لازمًا كالصلوات الخمس اليومية، وصلاة الجمعة من كل أسبوع، والزكاة المفروضة كل حول أو كل حصاد، وصوم رمضان من كل عام، وحج البيت مرةً في العمر لمن استطاع إليه سبيلاً... وما كان منها من باب التطوع.

    فإذا نظرنا إلى فريضة كالصلاة، نجد السنة حافلةً بكتبها وأبوابها الجَمَّة، من مقدماتها: الطهارة، والوضوء، والغسل، والتيمم، ومسح الخفين... الخ... ولواحقها: الأذان، والإقامة، والجماعة، والإمامة، وبيان مواقيتها، وأعدادها، وكيفيتها، وأركانها، وسننها ومبطلاتها، وبيان أنواعها مما هو فرض، وما هو نفل مؤكد كالسنن الرواتب، والوتر، وما ليس كذلك كقيام الليل وصلاة الضحى، وما يصلى في جماعة وما ليس كذلك، وما يؤدى مرةً أو مرتين في السنة كصلاة العيدين، وما يؤدى بأسباب عادية كالكسوف والاستسقاء، أو خاصةً كالاستخارة.

    وإذا جئنا إلى الزكاة نجد بيان الأموال التي تجب فيها، ونُصبها، ومقادير الواجب في كل منها، ومتى تجب، ولمن تجب؟.

    ومثل ذلك يقال في الصيام والحج والعمرة، فالسنة هي التي فصّلت أحكامها تفصيلاً.

    وهذه العبادات قد احتلّت من كتب السنة حيزًا كبيرًا، حتى إنها في كتاب مثل: " الجامع الصحيح للبخاري" تقدّر بنحو الربع.

    فإذا أضفنا إليها ما يتعلق بالأذكار والدعوات وتلاوة القرآن - وهي لا شك جزء من العبادات - تبيّن لنا مقدار احتفال السنة بها، وقد ختم البخاري جامعه بحديث منها(5).

    ونجد في السنة توجيهات مفصلة للأخلاق الإسلامية، التي بعث الله رسوله ليتمِّمَها وهي تشمل الأخلاق الإنسانية التي لا تقوم الحياة الفاضلة إلا بها، وقد اعتبرتها السنة من شعب الإيمان، ومن فضائل المؤمنين، كما اعتبرت أضدادها من آيات النفاق، ورذائل المنافقين، وذلك كالصدق والأمانة، والسخاء والشجاعة، والوفاء والحياء، والرفق والرحمة، والعدل والإحسان، والتواضع والصبر، والحلم عند الغضب، والعفو عند المقدرة، وبِرّ الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الجار، ورعاية اليتيم، والمسكين، وابن السبيل.

    كما تشمل ما نسمِّيه " الأخلاق الربانية" التي هي قوام الحياة الروحية كمحبة الله تعالى، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، والرجاء في رحمته، والخشية من عذابه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والشكر لنعمائه، والحب فيه، والبغض فيه، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، والورع عن المحارم والزهد فيها عند الناس، والرغبة فيما عند الله... إلى غير ذلك من الأخلاق والمقامات التي عني بها الصادقون من رجال التصوف، حتى قالوا: التصوف هو الخُلُق، فمن زاد عليك في الخُلُق، فقد زاد عليك في التصوف.

    ونجد في السنة كذلك تفصيلات الآداب الإسلامية، التي تتصل بالحياة اليومية للإنسان المسلم، ويتكوّن منها الذوق المشترك، والأدب المشترك للأمة الإسلامية.

    وذلك مثل أدب الأكل والشرب، والجلوس والمشي، والتحية والسلام، والزيارة والاستئذان، والنوم واليقظة، واللباس والزينة، والكلام والصمت، والاجتماع والافتراق.

    فالمسلم عندما يأكل أو يشرب يُسمِّي الله تعالى، ويأكل بيمينه، ويشرب بيمينه، ويأكل مما يليه، ويقتصد في أكله، ويحمد الله إذا فرغ من طعامه.

    وهكذا نجد السنة النبوية تضع للمسلم مجموعةً مفصّلةً من الآداب المحدَّدة في سلوكه اليومي، تنشأ منها تقاليد مشتركة، تميِّز المجتمع المسلم عن غيره من المجتمعات، كما تجعل للفرد المسلم شخصية مستقلة متميزة في مظهرها ومخبرها تستعصي على الذوبان في غيرها.

    ونجد في السنة كذلك تفصيلاتٍ لتكوين الحياة الأسرية على أساس مكين، وتنظيم علاقاتها، وضبط سيرها، وحمايتها من عوامل التفكك والانهيار، والتوجيه إلى الوسائل اللازمة للمحافظة عليها، وما يلزم كِلا الطرفين عند تعذر الوِفاق، ووقوع الطلاق، فنجد في السُنّة عنايةً بالغةً بحسن اختيار الزوج أو الزوجة، والخطبة وأحكامها، والزواج وآدابه، وحقوق الزوجة على زوجها، والزوج على زوجته، وأحكام الطلاق، والرجعة، والعدة، والإيلاء، والظهار، والنفقات، وحق الأولاد على والديهم، وحق الوالدين على أولادهم، وحق ذوي القربى من المحارم والعصبات... إلى غير ذلك مما يقوم عليه " فقه الأسرة"، أو ما يسمى " الأحوال الشخصية".

    ونجد في السنة كذلك أحكامًا وفيرةً تتعلق بالمعاملات والعلاقات الاجتماعية بين المسلمين بعضهم وبعض، مثل أحكام البيع والشراء، والهبة والقرض، والمشاركة والمضاربة، والإجارة والإعارة، والكفالة والحوالة، والرهن والشفعة، والوقف والوصية، والحدود والقصاص والشهادات وغيرها، مما استند إليه فقه " المعاملات".

    ومنها ما ينظِّم العلاقة بين الحكّام والمحكومين، في الشؤون الإدارية والمالية والقضائية وغيرها، مما استمدت منه كتب " السياسة الشرعية"، وكتب " الأموال"، و"الخراج" ونحوها.

    ومنها ما ينظِّم العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها، ويرسم الإطار لعلاقة المسلمين بغير المسلمين في السِّلم وفي الحرب. وهذا ما يقوم عليه فقه " السير" أو " الجهاد"(6).

    وللإمام ابن القيم كلام نفيس رائع عن الهدي النبوي الذي جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: " وتُوُفِّيَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وما طائر يقلب جناحيه في السماء، إلا ذكر للأمة منه علمًا، وعلَّمَهم كل شيء حتى آداب التخلي - أي آداب قضاء الحاجة - وآداب الجماع، والنوم والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصمت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجن، والنار والجنة، ويوم القيامة وما فيه، حتى كأنه رأي عين، وعرَّفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف، حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم، وما جرى لهم، وما جرى عليهم، حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر، دقيقها وجليلها، ما لم يعرفه نبي لأمته قبله، وعرفهم - صلى الله عليه وسلم - من أحوال الموت، وما يكون بعده في البرزخ، وما يحصل فيه من النعيم والعذاب، للروح والبدن، ما لم يُعرِّف به نبي غيره، وكذلك عرَّفهم من أدلة التوحيد، والنبوة، والمعاد، والردّ على جميع أهل الكفر والضلال، وعرَّفهم من مكايد الحروب، ولقاء العدو، وطرق النصر والظفر، ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته، لم يقم لهم عدو أبدًا - أي لم يثبت أمامهم عدو - وكذلك عرَّفهم من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها، وما يتحرزون به من مكره وكيده، وما يدفعون به شره عن أنفسهم ما لا مزيد عليه.

    وبالجملة: فقد جاءهم بخير الدنيا والآخرة بأكمله، ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، فشريعته كاملة، ما طرق العالمَ شريعة أكمل منها"(7).



    الهوامش:

    (1) حجية السنة، ص: 13-14.

    (2) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، رقم: (5063)، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه...، رقم: (1401).

    (3) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم، رقم: (1924، 2003، 2005)، اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد, (1/ 123).

    (4) انظر: الإسلام على مفترق الطرق، ص: 87.

    (5) هو حديث: " كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" عن أبي هريرة.

    (6) انظر: المدخل إلى دراسة السنة، ص: 63- 67.

    (7) إعلام الموقعين، (4/ 375).



    Admin
    Admin

    المساهمات : 37
    تاريخ التسجيل : 27/06/2011

    التسك بالسنة دين

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يوليو 12, 2011 4:12 pm

    التمسك بالسنة دين (1-2)





    وإذا كانت السنة النبوية بتلك السعة وهذا الشمول، فإن التمسك بها تمسك بالدين، سواء تعلق الأمر بالأهم منها أو المهم، لأن الكل داخل في مطلق الاتباع وشمول الاقتداء والتأسي.

    قال تعالى: ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)) [آل عمران:31].

    وقال تعالى: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا)) [الأحزاب:21].

    يقول الغزالي: " اعلم أن مفتاح السعادة في اتباع السنة، والاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع مصادره وموارده، وحركاته وسكناته، حتى في هيئة أكله وقيامه، ونومه وكلامه، لستُ أقول ذلك في آدابه في العبادات فقط - لأنه لا وجهَ لإهمال السنن الواردة في غيرها- بل ذلك في جميع أمور العادات، فبه يحصل الاتباع المطلق، كما قال تعالى: ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)) [آل عمران:31].وقال تعالى: ((وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا))(1) [الحشر:7].

    فهل - بعد ذلك - يليق بعاقل أن يتساهل في امتثال السنة، فيقول: هذا من قبيل العادات، فلا معنى للاتباع فيه؟.

    إننا نعلم أن من السنن ما هو مؤكد كان يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا، ومنه ما هو غير ذلك مما كان يفعله الرسول في بعض الأوقات.

    ومن هذه السنة ما له قيمة كبيرة وثواب عظيم كأداء المسلم للصلوات في جماعة، ومنه ما له قيمة صغيرة كالأكل باليد اليمنى، وغير ذلك من تفصيلات الحياة التي كان يمارسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

    لقد رأى البعض أن التمسك بتلك الأشياء الصغيرة من السنن تشدد لا مبرر له, وحجر على العقول الإنسانية، إذ لا يدرى ما فائدة أن يأكل إنسان باليد اليمنى ويترك اليسرى؟ خاصةً وأن ما يسمونه حضارة يُملِي على الناس أن يستعملوا كلتا اليدين إحداهما تمسك السكين والأخرى تمسك الشوكة.

    وهؤلاء من الذين يريدون أن يخضعوا كل شيء لموازين عقولهم حتى أمور الدين وما جاء به من أحكام وأخلاق وسلوك. هذا في الوقت الذي يعترفون فيه بأن هناك حدودًا للعقل لم يتخطها بعد، وفي الوقت الذي يدرك فيه كل عاقل أنه ليس هناك في الحقيقة عقل مجرد وإنما يتأثر عقل أي إنسان بالبيئة التي ينشأ فيها، والثقافة التي يتثقفها، والعقائد التي يدين بها ويتعصَّب لها.

    ومن هنا إذا حكَّم إنسانٌ ما عقله في العقيدة وفي الأمور الدينية فإنه يخشى عليه من أن يصدر أحكامًا خاطئةً؛ لأن العقائد الدينية ليست نابعةً من بيئة أو خاضعة لثقافة أو صادرة من عقل بشري، وإنما هي فوق ذلك ومن قوة عليا.

    ومن أجل هذه الحقيقة واحترامًا من الإسلام للعقل البشري كانت هناك الحرية المطلقة في الدخول في الإسلام، وعلى أساس من الاقتناع الفكري والقلبي، أو على أساس التسليم: ((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيِّ))[ البقرة:256].

    ولكن بعد الدخول في الإسلام على المرء أن يخضع لتعاليمه، ومبادئه، وقوانينه، سواء أفهمها عقله وأدرك ما فيها من فوائد أم لا، وهذا هو المعقول وهي - بلا شك وفي اعتقاده إذا كان مسلمًا حقًا - صادرة من عليم خبير حكيم، يودع في طياتها كل ما يصلح عباده الذين خلقهم، فلِمَ إذن الاعتراض والافتراء بأن بعض أمور الدين التي جاءت من عند الله أو من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى - غير معقولة أو غير مفيدة؟.

    لكننا بعد أن نسلم بكل ما يأتي به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ونمارسه سواء أكان هذا من الفروض الواجبة علينا أو من غيرها، فإننا حتمًا سنهتدي إلى الفوائد التي نجنيها من ممارستها؛ لأن الإسلام الذي جاء من عند الله لا يتناقض مع العقل أو الطبيعة البشرية التي خلقها الله - عزَّ وجلَّ - كذلك.

    ولنفكر في تلك الفوائد التي يمكن أن تجنى من تمسكنا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وخاصةً ما ترك لاختيارنا وإرادتنا، نفعله أو لا نفعله ما كبر منه وما صغر، إننا نوافق بعض الباحثين فيما ذكروه من فوائد وأسباب ثلاثة لتمسكنا بالسنة(2).

    السبب الأول:

    " هو تمرين الإنسان بطريقة منظمة على أن يحيا دائمًا في حال من الوعي الداخلي، واليقظة الشديدة، وضبط النفس".

    فالله تعالى قد ميّز الإنسان عن سائر المخلوقات بالإرادة الحرة، ولكن من الممكن أن تلغى هذه الإرادة إذا أسلم الإنسان نفسه لعادات وأعمال تصدر منه دون وعي ودون تفكير " فإن الأعمال والعادات التي تقع عفو الساعة تقوم في طريق التقدم الروحي للإنسان كأنها حجارة عثرة في طريق الجياد المتسابقة".

    يجب إذن أن تظل هذه الإرادة حيةً نابضةً في الإنسان، ويجب أن تقلّ الأعمال عنده التي تصدر منه في غيبة هذه الإرادة " فكل شيء نفعله يجب أن يكون مقدورًا بإرادتنا وخاضعًا لمراقبتنا الروحية" حتى نُحقِّق ذواتنا.

    والتمسك بالسنن غير المفروضة يعيننا على ذلك، إنها تحتاج إلى شيء من الجهد، وإلى شيء من المشقة في بعض الأحيان، وإلى كثير من التحدي، خاصةً في عصرنا الذي نعيش فيه، فالمحافظة على الصلاة في جماعة في أول الوقت فيه شيء من المشقة، وخاصةً إذا كانت هذه الصلاة هي صلاة الفجر. وصلوات النوافل التي تصاحب الفروض قبلاً أو بعدًا فيها شيء من الجهد في عصر كل ما فيه سريع ومشاغله كثيرة. والأكل باليد اليمنى فيه تحدٍ لما يسمّى بالتحضر في عصرنا، والذي يملي على بعض المجتمعات أن يأكل أفرادها بشوكة في يد، وسكين أو ملعقة في أخرى.

    هو إذن يستعمل إرادته في كل هذه الأمور، يجددها، ويوقظها حتى لا تنام، أو تسلم قيادها لعادات وتقاليد تصدر دون وعي فتموت هذه الإرادة.

    ثم ماذا تكون النتيجة عندما تموت؟... سيحتاج يومًا إلى هذه الإرادة في وجه كثير من صعوبات الحياة ومشاكلها فلا يجدها، ويومئذٍ لا تفيده كل وسائل الحضارة التي يملكها إنسان هذا العصر، وهذا هو السرّ في أننا نجد ظاهرة الهروب من الحياة تتجلى أوضح ما تكون على شكل الانتحار أو غيره, في البلاد التي امتلكت أسباب الحضارة ووسائل الرفاهية.

    يقول محمد أسد: " قد لا يكون من المهم في ذاته أن نأكل بأيِّ اليدين ولكن إذا اعتبرنا التنظيم فمن أشدِّ الأمور أهمية أن تأتي أعمالنا مقدرة بنظام، وليس من السهل على الإطلاق أن يبقى الإنسان في تنبيه مستمر لمحاسبة النفس وضبطها، حتى ولو كانت فيه هاتان القوتان مثقفتين غاية التثقيف، إن كسل العقل لا يقل في حقيقته عن كسل الجسم، فإنك إذا سألت رجلاً تعود حياة القعود أن يسير مسافةً ما فإنه لا يسير غير قليل حتى يتعب، ويصبح غير قادر على أن يتابع مسيره، وليس هذا شأن من تعود في حياته كلها أن يمشي وَمُرِّنَ على ذلك، ثم لا يجد في هذا النوع من الجهد العضلي جهدًا على الإطلاق".

    ثم يقول: " فإذا تحتم علينا أبدًا أن نخضع جميع ما نعمل وجميع ما نترك لتمييز عقلي معلوم، فإن مقدرتنا على ضبط النفس - واستعدادنا لذلك ينموان تدريجيًا، ثم يصبحان فينا طبيعةً ثانيةً، وفي كل يوم ما دام هذا التمرين مستمرًا - يتناقص كسلنا الأدبي حسب ذلك(3).

    ولربما كان هذا هو السرّ في أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يحبذ أن يصلِّي الرجل صلاة النافلة في بيته؛ لأن هذا أدعى إلى تحريك عزيمته وإيقاظها، أما إذا صلاها في المسجد فإن الدواعي لها كثيرة، بحيث لا يمكنها أن تسهم في تربية الإرادة، من وجوده في المسجد، وصلاتها مع الفرض.

    وحتى تؤتي السُنَّة ثمرتها في هذا المجال، فلا تصبح عادةً وعملاً آليًا يقوم به المسلم - دون وعي- من الواجب عليه أن يكون متيقظًا دائمًا وهو يقوم بها، وألا يحاول أن يؤديها كعمل شكلي لا روح فيه ولا فائدة منه، وإلا أصبحت كالرموز أو الطقوس تؤدى دون أن تسهم تثقيفًا في حياة المسلم. إن بعض المسلمين يدلكون أسنانهم بأصابعهم عند الدخول في الصلاة حتى يحافظوا على سنة السواك... لا، " إن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب "(4). ولن يتحقق هذا إلا بالسواك، أما الأصابع في هذه الحالة فربما أدت إلى الضرر إن لم تكن شكلاً فقط، وليست فيها المشقة التي تربي الإرادة. أما الرسول - صلى الله عليه وسلم- فيقول: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"(5). إذن فليرغم الإنسان نفسه وكسله إذا أراد أن يقتدي بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا.

    إن السنة - ليست كما يزعم النقاد من الخصوم من نتاج المرائين الظاهريين الجفاة؛ ولكنها نتاج رجال(6) ذوي عزيمة ولوذعية, وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كانوا من هذا الطراز الأول، إن وعيهم الدائم ويقظتهم الباطنة، وشعورهم بالتبعة في كل شيء- كانت هي الإعجاز في مقدرتهم وفي فوزهم التاريخي المدهش(7).



    الهوامش:

    (1) الأربعين في أصول الدين، نقلاً عن" حجية السنة"، ص:80-81.

    (2) الإسلام على مفترق الطرق لمحمد أسد، ترجمة الدكتور/ عمر فروخ - ط:4، بيروت، ص:104- 110.

    (3) الإسلام على مفترق الطرق لمحمد أسد، ترجمة الدكتور/ عمر فروخ - ط:4، بيروت، ص:105- 106.

    (4) أخرجه أحمد في المسند (6/ 47، 62، 124).

    (5) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، رقم: (887)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب السواك، رقم: (42).

    (6) أي: تمسك بها رجال.

    (7) الإسلام على مفترق الطرق لمحمد أسد، ترجمة الدكتور/ عمر فروخ - ط:4، بيروت، ص:106.

    Admin
    Admin

    المساهمات : 37
    تاريخ التسجيل : 27/06/2011

    التسك بالسنة دين 2

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء يوليو 12, 2011 4:16 pm

    [b] التمسك بالسنة دين (2-2)





    السبب الثاني:

    لتمسكنا بالسنة هو: أهميتها ونفعها الاجتماعي في حياة الأمة الإسلامية.

    إن السنة توحِّد مشاعر الأفراد، وميولهم، وعواطفهم، بما فيها من أسباب ذلك. فهي تدعو إلى التراحم بين المسلمين، وحبّ بعضهم بعضًا، وتنتظمهم ككل في بعض الأمور؛ كصلاة الجماعة التي يقف فيها المؤمنون جميعًا على قدم المساواة على اختلاف طبقاتهم ووظائفهم الاجتماعية.. , أوليسوا جميعًا في سلوكهم وأخلاقهم باتباعهم السنة يكونون كشخص واحد هو محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي يقتدون به فيهما؟.

    وإن بعض الأعمال الجماعية المادية التي نقتدي فيها برسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسهم في وحدة المسلمين الروحية والقلبية، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أقيمت صلاة الجماعة يسوِّي الصفوف ويقول لهم: " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"(1).

    أرأيت كيف ربط الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين وحدة الصفوف المادية، ووحدتهم الروحية والقلبية؟ وكذلك اختلافهم في هذا وذاك.

    إن السنة عندئذٍ تجعل المجتمع متماسكًا مستقرًا في شكله، وتحول دون تطور العداء والنزاع؛ لأن جميع أفراده يرجعون إلى أساس واحد. وما دام هذا الأساس لا يحوم حوله ريب ما، فليس ثمة من حاجة ولا رغبة في تبديل التنظيم الاجتماعي الذي نتج عنه.

    وإذا تحرز المجتمع على هذا النحو من اختلاف الميول والنزعات؛ لأنه بني على قواعد من الشرع الإلهي والاقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه يستطيع حينئذٍ أن يستغلّ جميع قواه في معالجة مسائل تسبغ عليه رفاهية حقيقية، مادية وعقلية.

    أما إذا اختلف الأفراد في الميول والنزعات؛ لأن مشاربهم متعددة وتنشئتهم مختلفة، فإنهم لن يلتقوا على أرض الحب والتعاطف والمودة وتختلف النظرات الاجتماعية، كل يرى أن الحل الأمثل والحياة السعيدة هي ما يراها غيره، فتتعدد الأغراض الاجتماعية والمقاصد، وينشأ الناس على عادات مختلفة " وهذه العادات المختلفة إذا تبلورت بالمراس سنين طوالاً أصبحت حواجز بين الأفراد" ويسوء فهم بعض الناس لأغراض بعضهم الآخر ومقاصده. وهذا هو سِرُّ أكثر المنازعات الاجتماعية في كل مجتمع تتعدد فيه الأحزاب التي يحمل كل حزب فيها مبادئ ربما تتناقض مع مبادئ الآخر، وربما تطور الأمر، فيحكم حزب متعصب، فيحمل الناس حملاً؛ موافقيه ومخالفيه على الالتزام بهذه المبادئ، وينشأ الصراع الذي نشاهده في كثير من قطاعات عالمنا المعاصر.

    أما " أولئك الذين يعدون أنفسهم مقيدين بشريعة القرآن الكريم" وبالتالي بأوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم-، فإن أحوال المجتمع عندهم يجب أن يكون لها مظهر مستقر؛ لأنهم يرجعون بها إلى أساس مطلق"(2).

    السبب الثالث:

    في تمسكنا بالسنة؛ كبيرها وصغيرها، فرضها ونفلها، هو أنها الطريق إلى معرفة الإسلام مطبقًا في الحياة، إن في هذا النظام من العمل بالسنة يكون كل شيء في حياتنا اليومية مبنيًا على الاقتداء بما فعله الرسول، وهكذا نكون دائمًا إذا فعلنا أو تركنا كذلك مجبرين على أن نفكر بأعمال الرسول وأقواله المماثلة لأعمالنا هذه(3).

    ولقد كانت حياة محمد - صلى الله عليه وسلم - تطبيقًا أمينًا لمبادئ الإسلام وتعاليمه، ألم يكن خلقه القرآن كما تقول السيدة عائشة - رضي الله عنها-...؟ وهذا يدفعنا إلى أن نتعرف على دقائق حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم والوقوف على سيرته، فنتعرف على الإسلام من خلال السنة النظرية، ونطبقه من خلال الاقتداء عمليًا، وبهذا ندخل في نطاق رحمة الله عز وجل، ألم يرسل محمدًا رحمةً للعالمين؟.. وتصبح شخصية أعظم رجل متغلغلة إلى حد بعيد في منهاج حياتنا اليومية بما فيها من صغير وكبير.

    أما إذا أعرضنا عن سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فستنشأ غربة بيننا وبينه، وبالتالي ستنشأ غربة بيننا وبين الإسلام الذي حمله ودعا إليه، وبشَّر به، وطبَّقه كما قلنا تطبيقًا أمينًا في حياته. وفي النهاية أو في البداية سنرتمي في أحضان ثقافات أخرى من صنع بشر ومفكرين آخرين أثبت الزمن أن عقولهم وفلسفاتهم ليست أهلاً لأن تقود الإنسان، وإنما يقوده خالقه بالالتزام بما جاء به نظرًا وعملاً محمد - صلى الله عليه وسلم - من عنده - عزَّ وجلَّ-.

    ولعلنا بعد معرفة هذه الأسباب ندرك معقولية تمسكنا بكل ما صدر عن محمد - صلى الله عليه وسلم - وفائدته ، حتى الأكل باليد اليمنى الذي يسهم في تربية الوعي الإرادي عند المسلم متحديًا عادات عصره، كما يسهم في الامتزاج الاجتماعي عندما يكون الأفراد كلهم يأكلون بأيديهم اليمنى، وغير ذلك من السنة، ثم حمل للنفس على احترام الإسلام والتعرف على نبيه وعلى كل ما صدر عنه، فنتعرف على كل شيء في حياته، وبالتالي نتعرف على كل شيء في الإسلام نظرًا وعملاً(4).

    وفقنا الله - عزَّ وجلَّ- إلى التمسك بالسنة، والعمل بالهدي النبوي الكريم.

    وفي هذه الدراسة سنتحدث - إن شاء الله- عن السنة النبوية: تعريفها - مصدرها - حجيتها - رتبتها في التشريع- أنواعها من حيث دلالتها على الأحكام وغير ذلك من المباحث، لتتضح أهميتها، وتظهر مكانتها، وتتبين منزلتها؛ ليحيى من حيّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.

    والله نسأل التوفيق والسداد، وهدايتنا وكل العباد، ((سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)) [البقرة:32].





    الهوامش:

    (1) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، رقم: (972).

    (2) الإسلام على مفترق الطرق لمحمد أسد، ترجمة الدكتور/ عمر فروخ - ط: 4، بيروت، ص: 108.

    (3) المصدر السابق، ص: 109.

    (4) انظر: المدخل إلى توثيق السنة، ص: 18-25.
    [/b]

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 18, 2017 4:38 pm